ببراعة ومن خلال حبكة درامية قوية، استطاع الكاتب الإيطالي لويجي بيراندللو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 9341، طرح السؤال الأزلي عن ماهية الحقيقة في مسرحيته"
ببراعة ومن خلال حبكة درامية قوية، استطاع الكاتب الإيطالي لويجي بيراندللو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 9341، طرح السؤال الأزلي عن ماهية الحقيقة في مسرحيته "Cosi e (se vi pare) أو "Right you are if you think so " فهو يتساءل كيف ومتى نستطيع تحديد الحقائق؛ هل بثبوت الأحداث فقط أم بالتدفقات الروحية التي يتعرض لها الانسان والتي تُفرض عليه من خلال تقلبات وتغييرات متواصلة يسعى دائماً لتثبيتها وتحديد أشكالها داخله حتى يستطيع بناء شخصيته ووعيه ومن ثم إظهار حقيقة بعينها ترضي نفسه؟، أم عليه إظهار الحقيقة التي ترضي الآخر؟!
لعبة الحقيقة في محاولة إدراك الآخر
لم يستطع أهل البلدة إخفاء فضولهم حول حياة بونزا الشخصية ،السكرتير الجديد لحاكم البلدة، والتي تعتبر بالنسبة لهم غامضة إلى حد ما؛ فهو يمنع زوجته من الظهور ويمنع أي شخص من مقابلتها أو التحدث إليها ويؤجر لحماته مسكنا بعيدا عنه وعن زوجته ويذهب لزيارتها هو بنفسه وكما لاحظ الجيران أنه قليلا ما تذهب السيدة العجوز فرولا لرؤية ابنتها.
يقوم جار بونزا بإرسال زوجته وابنته لزيارة حماة بونزا وتزداد حدة التوتر عندما لا تستطيع فرولا استقبالهم ويتأكدون أن في الأمر سراً حتى تحدث مواجهة بينهم وبين السيدة العجوز لتسرد لهم قصتها وأن بونزا يبعدها عن ابنتها من منطلق حبه لها لأن زوجته مريضة وذهبت للعلاج وبعدت عنه لمدة سنة وعادت وتخيل هو أنه تزوج من أخرى .. ولكن سرعان ما تذوب هذه الحقيقة بعيداً عندما يأتي بونزا ويشرح أن فرولا تحاول تخليد أسطورة ابنتها بأنها لازالت على قيد الحياة ولكن الحقيقة أنها توفيت وأنه تزوج بأخرى وأنه يحاول دائما إقناعها بأن زوجته الثانية هي ابنتها بالفعل حتى لا تصاب بالجنون، كما أعلن أنه اختلق الجنون كنوع من أنواع المراعاة لشعور حماته السابقة.
انتاب أهل البلدة شعور بعدم الاستقرار في تصديق فرولا أم بونزا .. هل هي بالفعل تعاني من بعض الجنون والوهم عن ابنتها المتوفية أم أنها عاقلة والعكس هو الصحيح فهي تعيش مع أوهام بونزا بأنه متزوج من أخرى وأنها تتظاهر بالجنون حتى يهدأ هو من جنونه ؟!
يحاول اهل البلدة استقصاء المعلومات من كل منهما وتحاول كل شخصية إظهار حقيقة ما وتبدو حقيقة كل واحد كالنهائية ولكن تأتي حقيقة جديدة لتعطي إيحاء بنهاية الأحداث حتى تظهر حقيقة أخرى لتلغي كل ما سبق من تفسيرات.
بجانب تعدد الحقائق الخانق تأتي شخصية لوديس وهو يعتبر الأنا العادلة بالنسبة لبيراندللو في المسرحية الذي يصر على أن كل التفسيرات من الشخصيات صحيحة في وقت واحد وبالتالي ليس هناك حقيقة نهائية نحن بحاجة لاكتشافها. ولكي يثبت رأيه كان يقول لهم:
" أنا حقاً أكون كما يبدو لك وهذا لا يمنع أن أكون أيضاً كما يراني الآخر سواء زوجة لي أو أحد أقاربي أو صديق لأنهم جميعاً بدون شك على حق"، فكل انطباع حتى لو كان غير مكتمل فهو صحيح من وجهة نظر صاحبه.
عواقب نسبية الحقائق وتأثيرها على العلاقات الإنسانية
لكل انسان خصوصيته التي يجب على الآخر احترامها ولكي يفرض الإنسان نوعاً من السرية على حياته تصبح النسبية هي التعريف الثابت للحقائق حتى يستطيع الإنسان الاحتفاظ بما يخصه وأن يسرد ما يستطيع قوله وأن يخفي ما لا يريد أن يقوله.
في دراسته عن بيراندللو وكتاباته يرى الناقد الدرامي والمخرج الإنجليزي أريك بنتللي أن بيراندللو يهتم في مسرحيته بفلسفة النسبية التي تتبعها المعضلة الأخلاقية وهى المعاناة من اختراق خصوصية الإنسان؛ تكمن المعاناة في مسرحية "لكل حقيقته" في أولئك الذين يعطون الأولوية لمحاولة الفهم والاستقصاء عن التعاطف والمساعدة . فنرى فرولا حزينة على فقدان العديد من أفراد أسرتها في حادث زلزال مرير وفي ظل كل هذه الظروف يأتي الاستجواب القاسي لها من كل سكان البلدة في الحملة التي لا هوادة فيها للكشف عن الحقيقة الخاصة بها هي وصهرها بونزا.. " توقفوا عن كل هذاّ دعونا وشأننا .. أنت تعتقد أنك بكل هذا تساعدني ولكن ما تفعله في حقي خطأ كبير"
يؤكد بنتللي أن بيراندللو يريد إثبات أن الحقيقة دائما يتم اخفاؤها فالحل لتخفيف جراح هؤلاء البشر هو أن نترك مشاكلهم من غير حل وبدون محاولة اكتشاف وهو ما يمثل النهاية التي وضعها بيراندللو للمسرحية فتظهر زوجة بونزا في المشهد الأخير تلبس لباس الحداد لتعلن أنها ابنة فرولا وزوجة بونزا الثانية " أما لذاتي أنا فأنا لا شيء" .. مما أعطى عدم مصداقية لكل ما قيل عنها من تكهنات أو حقائق. واستكملت زوجة بونزا تلميحاتها بأنها سمحت للآخرين أن يشكلوها " أنا هذه من تختارون أن أكون" ولذلك فهي لا تستطيع قول الحقيقة .. فكل شخص ما هو إلا رؤية الآخر عنه وما لاحظه فيه، ولإثبات أن لا شيء قاطع أعلنت في النهاية أنها " لا تزال نفسها".
المسرح الحديث
كتب بيراندللو المسرحية في عام 1917 أي في الفترة التي عرفت فكرياً بفترة "الحداثة في القرن الـ 20 .. وترتبط الحداثة في أذهان الكثير من المفكرين بالاختراعات الحديثة ولكن دائما ما تكون التغيرات الفكرية هي الأكثر تأثيراً، وأبرز سمات الحداثة من وجهة نظر الفيلسوف الألماني ايمانويل كانت (1724 - 1804) هي إعمال العقل واستخدامه علانية من كل زواياه حتى يستطيع الإنسان التحرر من أفكار غيره ووصايته عليه وهو ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة المسرحية وعدم وجود حقيقة مطلقة فلكل إنسان حقيقة مناسبة له ولكل شخص آخر مطلق الحرية في وجهة نظره عن الآخر من دون فرضها عليه.
عرضت المسرحية على مسارح نيويورك أكثر من مرة؛ ففي يوم 27 فبراير من عام 1927 تم إنتاج المسرحية على مسرح النقابة ،وأشاد وقتها الكثير من النقاد بالفكرة وربطوا أعمال بيراندللو بالوجودية والمسرح العبثي كما قام المخرج ايرك بنتللي بترجمتها للإنجليزية واخراجها للمسرح في مدينة نيويورك عام 1966.
وأشاد الناقد المسرحي الشهير جيري تالمير بصحيفة " نيويورك بوست" بديكور المسرحية التي عرضت على مسرح نيويورك للمرة الثالثة عام 1972 وما به من إبداع في تعدد المرايا على جدار المسرح، والتي يرى الإنسان فيها نفسه، للتأكيد على تحول وجهات النظر وعدم ثبوت الحقائق.
فيما اعتبر الناقد ستارك يانج هذا العمل " لعبة مبهجة من الدوافع والأفكار" كما رأى انه من الممكن أن نضع المسرحية في مصاف المسرحيات الكونية.
وفي مجلة " نيويورك تايمز" اعتبر الناقد الأمريكي بروكس أتكينسون أن هذا العمل جيد لما به من استخدام الميلودراما في السخرية من مبدأ التعامل مع المفاهيم المجردة مثل الوجود والأسباب والهوية والوقت والمكان وهو ما يمثل في مجمله تعريفاً لعلم الميتافيزيقا، " فهي مسرحية مثيرة ببراعة".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...
تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...
شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...
إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...